حيدر حب الله
567
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
فلنأخذ تجربة أهل السنّة الذين اعتمدوا الصحيحين المؤلّفين في القرن الثالث الهجري ، أي قبل ما يزيد عن ألف ومائة عام من اليوم ، فهل ضاع تراثهم الحديثي الموجود في غير صحيحي البخاري ومسلم ؟ ! كلا ، فها هو هذا التراث يهتمّون به وينقّحونه ويخرّجونه ويدرسونه ويطبعونه أيّما طباعة ، وما زال حاضراً في الفكر والبحث والاجتهاد عندهم إلى يومنا هذا ، مثل معاجم الطبراني ومسند ابن حنبل وصحاح ابن خزيمة وابن حبان البستي ومجمع الزوائد للهيثمي وعشرات من الكتب الأخرى ، فلماذا إذا طالبنا بالتدوين في صحيح الأخبار نكون قد طمسنا الحديث ؟ ! ولماذا إذا طالبنا بالتدوين في صحيح السيرة الحسينية - كما فعل ذلك مؤخراً العلامة الشيخ محمدي الري شهري رعاه الله - نكون قد طمسنا سيرة الحسين عليه السلام ؟ ! إنّ التدوين في الصحيح للناس يعني أن لا تقدّم بين يدي الناس إلا الأخبار الحديثية والتاريخية المعتبرة أو على الأقل غير المتهالكة ، لكنّ هذا لا يعني أنّ سائر الأخبار قد أتلفناها ، بل هي في متناول الباحثين والعلماء والنقّاد والمحدّثين والمؤرّخين ، فمن هو هذا الذي طالب بحذف التراث ؟ ! وأين قال هذا ؟ إنّ كل ما نقوله هو المطالبة بأنّ نميّز بين ما يُعرض على الناس بوصفه مكوّناً للثقافة الدينية الشعبية العامّة ، وبين ما هو في متناول واهتمام الباحثين والمتخصّصين ، فما يُعرض على الناس هو الشيء الذي فرغ الباحثون من إثباته ، وما نميل إلى عدم عرضه هو ما لم يثبت ، فإذا عاد وثبت الضعيف بقرائن وشواهد فلا مانع من تعويمه على المستوى الشعبي ، وإذا ظلّ ضعيفاً فيبقى في متناول يد الباحثين ليستعينوا به هنا وهناك في أبحاثهم حيث يشكّل فائدةً وقرينة ، وإذا ثبت عند بعض العلماء دون بعض فمن حقّ من ثبت لديه أن يسعى لترويجه بين الناس ،